سيد محمد طنطاوي

332

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمعالجات . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته في خلق السماء ، فقال : * ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ . . ) * . ومعنى استوائه - سبحانه - إلى السماء ، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد ، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك . والدخان : ما ارتفع من لهب النار . والمراد به هنا : ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى : * ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) * : تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها . قال الآلوسي : قوله : * ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) * أي : قصد إليها وتوجه ، دون إرادة تأثير في غيرها ، من قولهم : استوى إلى مكان كذا ، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره . . وقوله : * ( وهِيَ دُخانٌ ) * أي أمر ظلماني ، ولعله أريد بها مادتها التي منها تركبت . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً . . . ) * بيان لما وجهه - سبحانه - إليهما من أوامر . والمراد بإتيانهما : انقيادهما التام لأمره - تعالى - . أي : فقال - سبحانه - للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد ، فأنت يا سماء ، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم . . وأنت يا أرض أخرجي ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز . قال الفخر الرازي : والمقصود من هذا القول : إظهار كمال القدرة ، أي : ائتيا شئتما أم أبيتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال ، بمعنى طائعين أو مكرهين . . « 3 » . وقوله : * ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) * بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى - . أي : قالتا : فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك ، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 32 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 102 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 353 .